ولد بهرام كرامي عام 1942م في مدينة طهران، وأنهى بها جميع مراحل دراسته إلى أن حصل على الليسانس في علوم النباتات، ثم سافر إلى لبنان، وهناك حصل على الماجستير في تخصص النباتات وأمراضها من الجامعة الأميركية عام 1960م، ثم نال الدكتوراه في هندسة علوم النباتات من جامعة ماني توبا الكندية عام 1977م، عمل محققا في مؤسسة الأبحاث الزراعية الإيرانية بين عامي (1954-1978)، وأنجز مجموعة من الأعمال العلمية مع إشرافه على أبحاث جامعية في الجامعات الإيرانية، درس بهرام كرامي أيضا في جامعة كاليفورنيا الأميركية بين عامي (1985-1995)، ثم عمل أستاذا مدعوا في جامعة هانكانغ الكورية، و الآن هو منشغل بعدد من الدراسات والأبحاث في مجال اندماج العلم بالفن، اغتنمت العرب زيارة الدكتور بهرام كرامي للدوحة من أجل إلقاء عدد من المحاضرات، فأنجزت معه هذا الحوار حول تجربته في ربط علم النباتات بفن الشعر: - في أي مجال علمي يمكن تصنيف انشغالاتك العلمية؟ في البداية أوجه الشكر لجريدة العرب التي أتاحت لي هذه الفرصة الطيبة. وجوابا على سؤالك أقول: المجال الذي تنتمي نتائج أبحاثي إليه هو مجال الجسر، الجسر بين العلم والفن، أو تلك الدائرة التي تجمع بين دائرتي علم النباتات والشعر، وأهم النتائج التي توصلت إليها جمعتها في كتاب تحت عنوان: (الزهور والنباتات في ألف عام من الشعر الفارسي). - هل يمكنكم تقديم أهم ملامح هذا الكتاب باختصار؟ تقوم فكرة الكتاب على أساس تتبع كل أنواع الزهور والنباتات في الشعر الفارسي منذ ظهوره في القرن الرابع حتى أواخر القرن الرابع عشر الهجريين، كان في الأصل حوالي خمسين مقالة نشرتها متفرقة، وقد فرض علي هذا العمل جمع حوالي مليون بيت شعري، استخرجت منها 48 ألف بيت، ولكثرتها ذكرت منها في هذا الكتاب أربعة آلاف بيت فقط، وقد تناولت شعر 146 شاعرا، ودرست خصائص وأحوال 98 زهرة ونبتة، أما الشاعر الكبير حافظ الشيرازي فقد خصصت له قسما منفصلا، نظرا لكثرة استخدامه للزهور والنباتات، وبعد الربط بين معاني الأبيات الشعرية ودلالتها اللغوية والبلاغية من جهة وما اكتسبته من معرفة وتجربة بخصوص طبيعة الزهور والنباتات وأحوالها المختلفة، استنتجت الكثير من العناصر التي تدل على المعرفة العميقة للشعراء الأوائل بالزهور والنباتات، وقدرتهم القوية على الربط بين الأحوال والمشاعر الإنسانية وأوضاع النباتات وطبائعها، إضافة إلى نبوغهم اللغوي ومهاراتهم البلاغية العالية. - هل لك أن تعطيني بعض الأمثلة؟ في أحد الأبيات يشبه الشاعر سعدي الشيرازي وجه محبوبته بزهرة الشقائق، لكنه يستدرك أنه لا حيلة له أمام وجه جميل ذي قلب أسود، وهنا يشير الشاعر إلى شكل زهرة الشقائق الحمراء التي لها قاعدة داخلية سوداء، بينما شبه الشاعر حافظ الشيرازي النرجس بعين المخمور، فهي تتألف من ستة أوراق تحيط بقرص أصفر يلفه شيء من السواد، أما الشاعر نعمة الله ولي فقد اختار بخور العود للتعبير عن شدة العشق والشوق، فقال: قلبي عود والعشق نار والصدر مبخرة مشتعلة، في حين نجد الكثير من الشعراء شبهوا شجرة السرو التي لا أغصان لها بالإنسان المتعفف أو العادل الذي لا ينظر لما في أيدي الناس أو لا يمد يده لظلمهم. - لماذا استبعدت من دراستك الشعر المعاصر؟ للأسف شعراؤنا المعاصرون لا يملكون تلك النظرة العارفة بأنواع وطبائع وخصائص الزهور والنباتات، هناك بعض النصوص التي استخدمت الزهور والنباتات في سياقات مكانية أو زمانية غير منسجمة، مما يوضح أن الشاعر أورد اسم الزهرة فقط لتجميل نصه لا غير، مثلا سبق أن قرأت قصيدة يقول فيها الشاعر إنه مر بطريق تزين جنباته أزهار التوليب (لاله)، بينما من خصائص التوليب أنها لا تنبت على جنبات الطريق. وهناك من الشعراء من يقول إنه ذهب إلى الحديقة ورأى زهرة كذا بجانب زهرة كذا، بينما من خصائص بعضها أن لا يجاور الآخر، وهذا لم يمنعني أن أنشغل بإعداد كتاب جديد حول الزهور والنباتات في الشعر الفارسي المعاصر. - لماذا اخترت التخصص في هذه الزاوية من الأدب الفارسي؟ أولا لأن هذا المبحث من الأدب الفارسي لم يطرقه أحد من قبلي، ولأنني أحب الأدب والشعر، فقد وجدت نفسي في ربط تخصصي في علوم النبات بعالم الشعر الفارسي. - سبق لك أن ألقيت محاضراتك في بلدان مختلفة، كيف كان استقبال الناس لنتائجك؟ لا أستطيع أن أزكي عملي، لكن حقيقة أفاجأ دائما بترحيب الناس وإعجابهم بالفكرة، فقد سبق لي أن حاضرت في حوالي 15 مدينة أميركية، وفي باريس ولندن وهنا في قطر وقريبا في كندا. فأغلب الناس يعتقدون أن الشعراء القدماء يذكرون الأزهار والنباتات في أشعارهم اعتباطا أو للزينة فقط، لكن حين يرون هذه الدقة في استخدامهم للزهور، واستعارة خصائصه الدقيقة في وصف وتقريب الحالات الإنسانية والكونية، يستغربون ويعيدون النظر في رؤيتهم القبيلة للشعر القديم. - يعني تجديد النظرة إلى الشعر.. نعم، انظر مثلا في شعر الشاعر جلال الدين الرومي، ستجد الزهور والنباتات ترمز إلى مفاهيم عرفانية عالية.. - لماذا لم تترجم أبحاثك إلى اللغة العربية؟ أنا أشتغل على جوانب دقيقة في الشعر تتصل بالبيئة الاجتماعية والثقافية، والشعر عادة لا يترجم بل تقرَّب معانيه، لذلك أعتقد أن هذا الكتاب غير قابل للترجمة إلى لغة أخرى، بل يمكن البحث في النصوص الشعرية لأي لغة لكي نقف على مثل هذه القضايا، وفي هذا السياق أخبرك أنني أعمل على شعر الشاعر الإنجليزي وليام شكسبير محاولا استخراج استعاراته واستخداماته المختلفة للزهور والنباتات، وقد وجدت فعلا نماذج جميلة. - نشر في جريدة العرب القطرية 19-10-2008
الثلاثاء, 21 اكتوبر, 2008
الدكتور بهرام كرامي هو أحد الباحثين الذين نجحوا في الربط بين العلم والفن، استثمر رصيده العلمي في علم النباتات ليستكشف مناطق نائية من الشعر الفارسي القديم، ظلت لوقت طويل كنوزا من المعاني لا تطالها مدارك قراء الشعر ودارسيه على السواء.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








