مختارات فارسية
عرض لعناصر من الثقافة الإيرانية
معلومات المدون:
الإسم : رشيد يلوح
البلد : قطر
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
صحفي-باحث في الحضارة الفارسية yalouh@gmail.com

:: الطفل في الشعر الفارسي

 

اولى شعراء الفارسية اهتماماً بالغاً منذ القدم بالطفل، وحاجاته، ومشاعره الرقيقة، وتربيته، وكل ما يتعلق بهذا المخلوق الجميل. ولذلك من الصعب جداً ان نستعرض هذا الموضوع الواسع في هذا المقال القصير، ونكتفي بالقاء لمحة عابرة على شعر بعض الشعراء في هذا المجال.

بروين اعتصامي  

ربما لايوجد بين الشعراء من اهتم بالطفل في شعره كالشاعرة بروين اعتصامي، لاسيما على صعيد الاهتمام بدوره في المجتمع ومتطلباته النفسية والجسمية،

ولها قصائد خاصة بالاطفال ومنها: الفقيرة، وسيئة الحظ ، والروح والجسم، والمعاناة الاولى، وصاعقتنا ظلم الاغنياء ، والقلب الجريح، ودموع اليتيم ،

والطفل اليتيم وغيرها ،وتحدثت في «الفقيرة» عن طفلة صغيرة فقيرة حضرت في حفلة ضيافة:

دعيت طفلة صغيرة لحفلة ضيافة

فوجدت نفسها بين بعض الصغيرات

فعبست هذه بوجهها

وجرت تلك ثوبها

وأشارت احداهن الى رقعته

وضحكت الاخرى على ضيقه

وحينما لقيت تلك الطفلة الفقيرة مثل هذا السلوك، فتحت شفتيها متحدثة عن انها بلا أم ولا مال، معبرة عن لوعتها وحرمانها من الام:

متى رأيت قبلة أم ؟

فالدمع هو الذي يقبل وجهي

ما أسعد الطفل الذي لديه  الآم

وما أحلى العين التي ترى وجه الآم

كانت أمي جوهرة حياتي

فسرقها غراب الدهر مني

وتحدثت في «سيئة الحظ» عن زوجة الأب وطريقة تعاملها مع طفلة صغيرة، وتذمر تلك الطفلة منها، وشكواها من الدهر الذي جعلها بدون أم:

كانت الطفلة الصغيرة تشكو:

القضاء جعلني من غير أم

فجاءت غيرها وجلست في البيت

ونهجت نهجاً  آخر وطريقة أخرى

ورمت حذائي الأحمر

وارتدت فساتين أمي

وباعت معضدي وقلادتي الذهبية

واتخذت في مثنوي (الروح والجسم) من الطفل ذريعة للحديث عن الإنسان وقيمته الروحية والجسمية،لاسيما حينما قالت في نهايته:

لو نظرنا بعين القلب أيها الصديق

لوجدنا أنفسنا مثل ذلك الطفل

ثوبنا الملون: طمع وهوى

وكل ما يحل بنا، من طمعنا

هوانا كثير وعقلنا قليل

عمرنا طويل، ولكننا أطفال  

وتنعكس في_(الطفل اليتيم) روح الشاعرة المرهفة وعاطفتها البيضاء بشكل واضح جداً والتي صورت لنا فيها ما يختلج في ضمير الطفل وروحه:

كسر طفل جرةً فبكى

وقال: أخشى العودة إلى البيت

ماذا أصنع لو سألني الأستاذ عن الجرة؟

إنها جرته وليست جرتي

كسرت الجر ةُ الكسيرةُ قلبي

والأيام لا تعمل سوى الكسر

ماذا افعل لو طلب الأستاذ غرامةً

فالخجل ليس أقل من الموت

جلال الدين البلخي

في مثنويات جلال الدين البلخي الشهير بالمولوي، والرومي، العديد من القصص الشعرية التي تتحدث عن الأطفال، ومنها تلك القصة التي أشار فيها هذا الشاعر العارف إلى أولئك الأطفال الصغار الذين كان يؤذيهم المعلم بطريقة تدريسه الصعبة وأسلوبه القاسي، فاقترح عليهم أحدهم طريقة للتخلص

من ذلك المعلم. فعملوا بها مما أدى إلى مرض ذلك المعلم وانقطاعه عن حلقة الدرس:

جاء التلميذ وسلم على المعلم وقال:

خيرا! لماذا وجهك شاحب أصفر؟

قال: لا أعاني من شيء

اذهب واجلس يا كثير اللغو

غير أن غبار الوهم حط على قلبه

دخل تلميذ آخر فكرر كلام صاحبه

فازداد وهم المعلم وشكه

وهكذا ، حتى بلغ الوهم ذروته

وداخله العجب من حاله

وهكذا ، تتحدث هذه القصة عن دخول ثلاثين طفلا صغيرا على المعلم واحدا بعد الأخر وكل واحد منهم يسأله عن الشحوب الظاهر في وجهه والذي لاوجود له في الواقع، وإنما هو أسلوب أرادوا به التخلص منه. لذلك اخذ الوهم يستولي على المعلم حتى تيقن بأنه مريض حقا، فشعر بالإعياء والاضطراب، وانقطع عن التدريس ، فنجح الأطفال في خطتهم ومن الجدير بالذكر أن مولانا لم يكن هدفه من استعراض مثل هذه القصص هو السرد القصصي، وإنما يحاول من خلالها إعداد ذهن القارئ وترويضه من أجل ان يقول بعد ذلك كلمته التي يريد قولها. كما هو الحال في قصة أبناء (عزير) فإنهم حينما افتقدوا أبيهم أخذوا يبحثون عنه إلى أن شاخوا وطعنوا في ا لسن، وحينما وجدوه في آخر المطاف لم يعرفوه لأنه لازال شاباً، عدا واحداً منهم:

كان كأبناء(عُزير)

حينما كانوا يبحثون عن أبيهم في الطريق

فشاخوا وهم يبحثون عنه

بينما أبقاه الله شاباً

فالتقوا به فجأة فلم يعرفوه

فسألوه عن أبيهم

وقالوا إن أحدا أخبرنا انه سيصل اليوم

قال نعم سيأتي خلفي

فاستبشروا بالخبر

غير أن هذا الحدث قد اتخذه المولوي مقدمة جذابة للدخول إلى صلب الموضوع، فقال بعد ذلك:

هذا الحديث لاينتهي فارجع

حتى يرجع موسى من البحر

قيل هذا بما يلاءم عقل العوام

بينما أخفي الباقي من الكلام

ذَهَبُ عقلك قليلٌ أيها المتهم

كيف أضرب النقود؟  

سعدي الشيرازي

يعد الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي أحد أعظم الشعراء الإيرانيين، وقد عاش في القرن السابع الهجري، وأولى في شعره اهتماما خاصا بالطفل وتعليمه وتربيته، يمكن ملاحظته في ديوانه المعروف بـ(بوستان)، فضلا عن تعبيره عن هذا الاهتمام في كتابه المعروف بـ(غلستان).

ومما جاء في مقطوعة من مقاطع ديوانه(بوستان):

انهال العجوز ضرباً لابنه بالعصا

فقال يا أبي لاتضربني فأنا بريء

بمقدوري أن ابكي إليك من جور الناس

ولكن ما حيلتي حينما تظلمني أنت؟

ياصاحب العقل اصرخ إلى القاضي

لا أن تصرخ منه

ولم تغب عن بال سعدي شؤون الطفل الدينية والتربوية لذلك نراه يتحدث عن صيام الطفل كالتالي:

سمعتُ بصيام صبي

ولم يحن وقت إفطاره إلا بعد مشقة بالغة

قبل الأب عينيه والآم رأسه

ونثرا فوق رأسه اللوز والذهب

ولم يتجاهل حتى موقف بعض الآباء من الطفل وشعورهم بالعجز عن توفير لقمة العيش له. نجد هذه الفكرة مرسومة في المقطوعة التالية:

نبتت أسنان الطفل

فغرق أبوه في لجة الفكر

فقال:  من أين آتي له بالخبز