مختارات فارسية
عرض لعناصر من الثقافة الإيرانية
معلومات المدون:
الإسم : رشيد يلوح
البلد : قطر
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
صحفي-باحث في الحضارة الفارسية yalouh@gmail.com

:: الأدب الفارسي الإلكتروني بلون المدونات

 

   سجلت أرقام استخدام الإنترنت نسبا عليا في إيران منذ أربع سنوات، وتشير آخر الإحصاءات إلى وجود أكثر من 11 مليون مستخدم للشبكة العنكبوتية داخل بلاد فارس، ويعرف الإيرانيون بأنهم أصحاب أكبر عدد من المدونات الإلكترونية، إذ احتلت اللغة الفارسية على الانترنت، المرتبة الرابعة عالميا بعد الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية. أما بدايات التدوين في إيران فقد كانت قبل ست سنوات تقريبا، انطلاقتها أخذت شكلا عموميا، ليتخصص المدونون لاحقا في موضوعات مختلفة، ويتميز فضاء التدوين الفارسي عموما بخطاب ثقافي ينتقد أوضاع المجتمع الإيراني، ويسجل لحظاته السياسية والاجتماعية والفنية، أما مسحة الأدب فتكاد تجدها القاسم المشترك بين كل المدونات الفارسية. لماذا وكيف ؟

 الذي يرصد تعاطي المجتمع الإيراني مع تراثه الأدبي شعرا ونثرا، سيكتشف لامحالة أن الناس هناك يعيشون حالة اتصال دائمة مع نصوص أدبية لا يعتبرونها فقط كنوزا وصلتهم من الماضي، بل جزء من هويتهم، وهذا ما رسخته قبل عقود النخب الإيرانية في وسائل الإعلام، وهو ما تمسك به في ما بعد جيل الإنترنت والمدونات، فبالإضافة إلى الجو الأدبي لعامة المدونات الفارسية، هناك مدونات أسست لخدمة الأدب الفارسي سواء القديم منه أو الحديث.

 تختار أغلب المدونات الفارسية لنفسها عادة، عناوين أدبية مستلهمة من التراث الأدبي الفارسي ( التنوير، فانوس الخيال، أرض التفاح، حلقة الملكوت، رسائلي، الخريف،..)، وهناك من يضع على الصفحة الأولى شعارا أدبيا كما فعل موقع وكالة (ايسنا) الإخباري، الذي يعرض مقطعا شعريا ينسب إلى الشاعر الفارسي القومي الفردوسي، يقول:(لا بقي جسدي إذا لم تبق إيران)، وهو من الشعارات الأدبية الرائجة بين المواقع والمدونات الفارسية. أما الشكل العام للمدونة الفارسية، فهو لا يخرج عما سبق، إذ تميل أغلب المدونات إلى الجو الشاعري الروحي، وعموما يعكس الحراك الإلكتروني الإيراني أجواء الشخصية الإيرانية المتعلقة بالأدب والثقافة.

   يلتقي التدوين الإلكتروني مع الأدب في مفصل أساسي هو التعبير عن الذات، المطلب الذي تشرئب إليه دائما نفوس الشباب، رغبة ملحة في تشخيص المواقف وترجمة الأفكار الكامنة، وبالتالي إثبات الذات في جو من الحرية شبه المطلقة، لذلك اتسم الأدب الفارسي الإلكتروني بحالة من البوح، بوح ملحاح، يصل في ذروته إلى حد الاعترافات. نصوص شعرية ونثرية تحكي تجارب شخصية وتسجل تداعيات فكرية وانغماسات روحية تتأرجح بين الماضي والمستقبل، لن نستطيع المجازفة بوصف تلك النصوص أو جمعها تحت نظرية أو رؤية معينة، لكنها تبقى تعبيرات ذاتية تؤكد في غالبيتها على مطلب الإصلاح السياسي والثقافي، ثم على مسألة الهوية وأزمات الشخصية الإيرانية المختلفة. وفي المقابل يعيش الكم الهائل من الأدب الإلكتروني الفارسي بدون حركة نقدية موازية ومتابعة ترشده وتناقش محاصيله.

  ورغم ما سبق لاحظ بعض النقاد أن الأدب الفارسي الإلكتروني اتخذ في صورته العامة شكلا شعريا، بينما يضعف فيه حضور جنس القصة والرواية، في هذا الصدد يقول الناقد سيد رضا شكر اللهي: " لقد تأثر أدب المدونات بالوضع التاريخي للأدب الفارسي، حيث غلب الشعر الرواية، الأمر الذي يمكن تتبع جذوره في مستوى علاقة المجتمع الإيراني بالأصالة والحداثة"، هذا التعليل الذي يتقبله البعض، على اعتبار أن حالة المعلوماتية التي يعيشها العالم ليست طفرة بالنسبة للجميع، وبتعبير آخر الأدب الالكتروني لم يأت نتيجة تحول ذاتي داخل المجتمعات النامية التي استقبلته، لذلك يبقى وضعا جديدا ينبغي للجميع أن يتكيف معه، ومن هذا المنطلق اعتبر الإبداع الأدب الإلكتروني تجربة لم تضح بعد معالمها واتجاهاتها، وهذا تقريبا ما يشير إليه الناقد الإيراني حسين نوش آذر عندما قال: "عندما نريد نقد المدونات الأدبية، لن نستطيع نقدها كما نفعل مع باقي النصوص، لأننا لن نستطيع الاتكاء على مرجع جمالي أو فلسفي، نستطيع فقط الاعتماد على التجربة مع الأخذ بعين الاعتبار عامل السرعة في عمل هذه الوسيلة، ولهذا السبب لن نستطيع الوصول إلى حكم قطعي ومطلق بخصوص ممارسة نقدية للأدب الإلكتروني".

  نشير هنا أيضا إلى مسألة المخاطب، فهو يختلف إلى حد ما عن المخاطب التقليدي للأدب، إنه أدب افتراضي لمخاطب مفترض، وبين الافتراض والافتراض، تتشكل مساحة مكشوفة تفقد فيها النصوص حجبها لتبقى في معرض أنظار العابرين، وهو وضع جديد يدفع نحو التأسيس لمخاطب عام ليست له دراية بالشعر، خاصة الحديث، أو لمخاطب فاقد لمعاني الجمالية الأدبية، وبالتالي سيواجه الأدب الفارسي في الشبكة العنكبوتية خطري التدني والتقريرية..هذه النتيجة المتوقعة أثارت مخاوف في الوسط النقدي داخل الأدب الفارسي هذه الأيام، فأقيمت ندوات ومحاضرات وفتحت نقاشات، خاصة في المساحات الافتراضية، لتدارك خطر مستقبلي قد يحرم أجيال المستقبل من أحد أهم مكونات الهوية الإيرانية.

  أخذت المدونات الأدبية الإيرانية هويتها الفارسية كاملة، واستفادة بشكل كبير من استلهام الأدب الفارسي القديم، وكذا من رصيد إبداعات الشعراء المعاصرين، لذلك أقترح جولة بين بعض المدونات الأدبية الفارسية، نقترب منها ونقف على بعض خصائصها:

 

من أهم المدونات الأدبية التي تنتشر في الشبكة، مدونات تهتم بإبداعات ومذكرات أكبر الشعراء والكتاب الإيرانيين المعاصرين، خاصة رواد الحداثة في الشعر الفارسي، فنجد مثلا مدونة (زنده رود) تقدم نصوصا مختلفة لكبار شعراء الحداثة الإيرانية، أمثال: شاملو، سبهري، نيما، فروغ، وغيرهم من الشعراء المعاصرين. بينما تعطي المدونات الأدبية لنفسها مساحة واسعة للبوح وتسجيل اللحظات العابرة، فمثلا مدونة (زمزمهاى من)، فتعتبر من أنشط المدونات الإبداعية، جعلها صاحبها مرصدا لمختلف اللحظات اليومية، فهي بين اليوميات والمذكرات والخواطر، وأحيانا يضمنها انطباعات عن المجتمع والحياة، أنهار متقاربة يجمع بينها ماء التفاعل والجدة. مدونة (آيدا در بنجره)، بدوره كتبت في صفحتها الأولى أنها تقرأ كل ليلة قبل النوم أبياتا من المثنوي وديوان حافظ، لأنها ترغب بالفعل في استكشاف عالم الأدب الصوفي، ثم تقدم لزائرها فضاء حالما من النصوص الأدبية والخواطر والمقالات النقدية،إضافة إلى نوافذ وصور..

  وحاولت مدونة(اندرا) تقديم نصوص من الأدب الفارسي القديم (حافظ وسعدي ومولانا..) ورفعت شعار: (الحياة والحب). اتسمت صورتها بشاعرية قوية، ربما أراد مديرها أن تكون مشهدا جميلا لنصوص من التراث الفارسي الغزلي. مُدوِّنة إيرانية أخرى اغتنمت فضاءها تحت عنوان (صندوق) لتعرض أشعارا وخواطر وانتقادات، ولم تنس أن تزين مدونتها بشعار: ( ما أجمل الخلوة إذا كان الصديق صديقي)، وما يميزها أكثر أنها اجتهدت كثيرا في إعطاء مدونتها مسحة أدبية وتراثية جميلة، ثم فتحت نوافذ تأخذ الزائر إلى مدونات ومواقع أدبية أخرى. وتعكس مدونة (يورد1) جوانب من الأدب التركماني في منطقة خراسان الإيرانية، أورد صاحب المدونة تراجم وأعمال مجموعة من الشعراء المحليين، وحاول من نافذته أن يعرف بأدب قومه والدفاع عنه.

   حقق الأدب الفارسي الإلكتروني في شق المدونات تراكما هائلا، يجعل أي إحصاء له عملا صعبا للغاية، ليبقى بحرا طويلا ممتدا من الحرية، يمنح للإيرانيين فرصة لا تعوض للبوح والتعبير والاستمتاع برياض الكلمة، في عصر السرعة والافتراض.
 
 رشيد يلوح
جريدة العرب القطرية - 10/2/2008

 

 

  

 

 




 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 21 فبراير, 2008 01:38 م , من قبل محمد الشهري
من المملكة العربية السعودية

تقرير رائع بالفعل ومميز .
اقتراب الشعب الفارسي من نصوصه الأدبية بالفعل أشعر به كثيراً حتى في تصريحات بعض الساسة ، هو شعور قومي ولا شك تاثرت به حتى المدونات .
اتمنى استاذي لو تدلني على بعض المدونات الايرانية التي تكتب باللغة العربية ، هل يوجد مثل هذه المدونات ؟


اضيف في 27 فبراير, 2008 06:59 م , من قبل numbernine
من المملكة العربية السعودية

مساء الخير اخ رشيد
و مقالك رائع و استمتعت بقرائته و اتمنى حقاً لو استطيع لو اتصفح تلك المدونات لكنها باللغه الفارسيه .
و بالنسبه للأدب الفارسي سبق و قرأت كتاب البومة العمياء لصادق هدايت و كان حقاً اكثر من رائع و المشكله انني لا اجد الكتب الأيرانيه في بلدي بكثره.
لك جزيل الشكر اخي الكريم على هذه المدونه الجميله التي سيتفيد منهاكل باحثاُ عن الأدب العالمي ..
دمت بود

هند




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






نظر


أنت الزائر