يعد الشاعر الإيراني المعاصر منوجهر آتشي (1931-2005) من الأسماء التي تركت أثرا بارزا في الشعر الفارسي، بدأ مسيرته الشعرية معجبا ب نيما يوشيج رائد الحداثة الشعرية في إيران، ليتحول في ما بعد إلى التجريب الشعري الحداثي، أحدثت كتبه النقدية الخمسة حول خمسة من كبار الشعراء المعاصرين في إيران ضجة في الساحة الأدبية والنقدية، وعناوينها هي: (لنقرأ نيما مرة أخرى)،(شاملو من خلال تحليل نقدي)،( أخوان، شاعر كان شعره)،(فروغ بين الأشباح)،( سهراب شاعر الأدوار). كشف آتشي في هذا الحوار عن الخلفية التاريخية التي تحكم عددا من الأدباء والمثقفين الإيرانيين حين يتحدثون عن الأدب الفارسي، وأثار فيه جوانب جديدة من التجربة الشعرية الإيرانية، وأهم من ذلك أن الكاتب تعامل فيه مع كبار الشعراء (نيما،سهراب،شاملو،فروغ،أخوان) بصرامة نقدية نادرة، آخذه عليها بعض النقاد، على اعتبار ما لهؤلاء الشعراء من رمزية في الثقافة الإيرانية. في ما يلي نص الحوار: - ماهي الجوانب الجديدة التي تناولتها في كتبك الأخيرة بخصوص الشعراء المعاصرين الخمسة ؟ عادة حين أجري حوارا أو أكتب شيئا لا أهتم للأحكام التي سيصدرها الآخرون على ما أثيره من قضايا، لذلك فإنني أعمل بدون توقف.. وهذا ما حصل لي بالفعل مع هذه الكتب التي ذكرت، إلى حد أنني لم أستند إلى أي مرجع، باستثناء ما يتعلق بالشاعر شاملو، لأنني كنت أتوقع أن ما سأكتبه سيثير ردود أفعال، فبالإضافة إلى كتبه، رجعت إلى حواراته وما كتبه الآخرون عنه. في هذا الكتاب دخلت في سجال فكري مع شاملو، لذلك عندما قال: "في الماضي كان عندنا الكثير من القصص المنظومة، بينما لم يكن عندنا في المقابل ولو قصة قصيرة واحدة"، وجدت نفسي مضطرا إلى الرد عليه. وقد وضح المرحوم زرين كوب هذا الأمر من خلال نظرة تاريخية في كتابه (قرنين من الصمت). لم يصلنا أي أثر مكتوب باللغة الفارسية خلال القرنين الهجريين الأولين، هذا الصمت الذي امتد لمائتي عام يحمل معاني كثيرة، لقد أرغمونا على التكلم باللغة العربية، ورغم ذلك صرنا مسلمين ولكن لم نصبح عربا. تعلم الكتاب الإيرانيون العربية ليعلموا العرب الصرف والنحو، وأنشدوا الشعر بالعربية، فأدخلوا الذهنية الفارسية إلى الشعر العربي، وأخيرا فطن العرب إلى التحايل الذي وقع عليهم، إذا فنحن خلال تلك ال مائتي عام كتبنا الشعر وأثرنا في العرب الذين خضعوا لنا في النهاية. أخذنا علم العروض من العرب، لكنه أصبح إيرانيا بعد ذلك، وكما قال الشاعر شيركو بيكه س : " نلاحظ أن كلمات جملة (استعمال دخانيات ممنوع) كلها عربية، لكن ليس هناك من العرب من ينطقها هكذا". - هل في نظرك كان شاملو غافلا عن هذه الأمور؟ لا أعتقد فقط بأن شاملو لوحده كان غافلا عن هذه الأشياء، بل الكثير من علمائنا أيضا لم ينتبهوا إلى بعض ما مضى من تاريخنا وأدبنا. وأهم مسألة في نظري هي الشعر والقصص المنظومة، لقد تسببت ال مائتي عام من الخوف الذي جرعوه لنا، في أن يبدأ تاريخنا الأدبي بالشعر بدل النثر، نحن لم نستطع كتابة شئ ونشره، لهذا ظهرت الحروفية، التي كان يتواصل أعضاؤها بالرموز. أو القرامطة الذين كانوا يتواصلون في ما بينهم بلغتهم خاصة.. - ماهي زاوية النظر الجديدة التي نظرت منها إلى الشعراء الخمسة؟ أنا لم أقصد الإتيان بمعجزة، بل قصدت طرح أفكاري، وإذا كان لأحد رأي مخالف يستطيع طرحه، لكن لم يكتب أحد شيئا لأنهم يعلمون أنني نظرت إلى الأمور بشكل صحيح ودقيق، أو على الأقل كتبت بحسب مستوى جهلي ! - عندما درستَ الشاعر نيما، أشرتَ إلى أنه لم ينشد إلا قصيدتين غزليتين غير ناضجتين، هل هذه من خصوصياته أم من عيوبه؟ لا ينبغي في اعتقادي طبع غزليات نيما وقصائده الكلاسيكية عموما، ماهي الضرورة التي ستدفعنا لنقول إن ل نيما شعرا كلاسيكيا..على الأقل نطبعها مستقلة عن أشعاره الجديدة، يجب البحث عن نيما في تجربته الجديدة، أي أن نبدأ من قصيدته (الأسطورة)، أما شعره الكلاسيكي فهو عاجز على أن يقدم له شيئا، للأسف جمع سيروس طاهباز قصائد نيما المدحية، بينما لا علاقة لها بالشعر. - أشرت في الكتاب الرابع إلى مسألة حساسة بخصوص الشاعرة فروغ، هي أنها غير متمكنة من اللغة، وأنها تنظر إلى الشعر على أنه معنى ومضمون.. لم تكن لدى فروغ فرصة زمنية كبيرة منذ شروعها في إنشاد الشعر إلى وصولها درجة الإبداع الشعري، تظهر في كتبها الثلاثة الأولى على أنها امرأة تريد خوض تجربة الحرية، لكن ذلك لا يعطي شعرا، وعليه لا وجود في تلك المرحلة للغة، بينما منذ ديوانها (الولادة الأخرى) نكتشف أنها شاعرة تعرف ذاتها، وتستطيع التعبير عن جميع جوانب شخصيتها الظاهرة والخفية.. - هل تمكن فروغ من اللغة الحوارية التي تعتبر من خصائص شعرها، يعني أنها غير مطلعة على اللغة الإبداعية واستخداماتها؟ استغرب من قولك إنني اعتبرت فروغ غير مطلعة على اللغة بهذه القطعية التي تذكرها، ولكنني أقول إنها غير متمكنة بما يكفي من الاستخدام الواسع للغة، بمعنى أنني مخطئ شيئا ما. وكلامي هو أن فروغ شاعرة معنى وليست شاعرة لغة، أي أنها تصرخ وتتحدث عن الأشياء التي يعاني منها المجتمع، وما يعاني منه المجتمع بالنسبة لها هو أن المثقفين عاجزون وصدئون. وبالتالي تعتبر فروغ داخل جيلها أكثر مدنية وأكثر ثقافة. - إذا سمحتم ننتقل إلى ما كتبته حول الشاعر أخوان، قلت بأن " أخوان لديه ذاكرة كلاسيكية تثقله، ولا تسمح له بالخروج من جلد الآباء إلى الحداثة"، هل تقصد أن رؤية أخوان ليست حداثية؟ أخوان شاعر حداثي، لكن ليس بالمعنى المتداول في أوربا، أو مثل ما ينطبق على شاملو، إنه شاعر إيراني خالص، شعره الكلاسيكي عموما غير قوي، وإذا نظرنا مثلا إلى غزلياته، سنجد أن قصائد الشاعر منزوي الغزلية أقوى بكثير مما أنشده أخوان، بينما يتوفر شعره الحديث على جماليات تغطي ميوله الكلاسيكية، شعره هو إحساس بالغربة.. في نظري لديه روح تشبه روح صادق هدايت، بما فيها من تعلق بإيران القديمة، وبما تشتمل عليه من العتاب.. - كتبت أنه في أشعار سهراب العرفانية نواجه قحط الإنسان، كيف يكون هذا الإنسان إنسانا؟ أنا شخصيا لدي اهتمام بالجانب الجسماني في الإنسان، ولجسم الإنسان صوت، وتنوع الصوت يثري الشعر، والشعر الذي يفتقد لجسمانية الإنسان يفتقد كذلك لتنوع الأصوات، وقد أورد الدكتور شميسا في أحد كتبه أن شعر سهراب ليس عرفانيا، بل هي نظرة بودية، وكما قلت سابقا أنا لا أتفق مع شميسا. العرفان بالنسبة لنا هو الحلاج وعين القضاة الذين ابتلوا بسبب كلامهم، وهو عرفان لا يتطابق مع ما يقوله سهراب، العرفان هو ألم ووجع السهروردي الذي نصفه فيلسوف والنصف الآخر عارف، لحسن الحظ لم يبتلى مولانا جلال الدين كالآخرين، لكنه كان نسيجا من الصراخ، بينما نجد مولانا عند سهراب يمتد عاليا من شجرة مائلة. العرفان هو سير وسلوك مخيف تظهر آلامه واضحة في غزليات مولانا.
لقد وضعت جانبا كل القيود التي فرضت علينا، وكل الأشياء التي ركبت فينا بخصوص بعض الأشخاص بما فيها من حساسية سياسية، وتقديس لأشخاص بعينهم، تخلصت من كل ذلك وكتبت..كتاباتي أكثر عريا وأكثر وضوحا، الطالب الذي يرى شاعرا على أنه نموذج رائع وجيد ومحترم، هل حقا فهم شعره، أم لأن شاملو شاعر سياسي فهو إنسان كبير، من الذي قال بأن الشعر جاء ليغير العالم؟ الشعر جاء من أجل مكامن الإنسان، فما علاقته إذا بعلم الاجتماع..؟
الثلاثاء, 11 مارس, 2008
حاوره: ماني راد*
* ترجمة : رشيد يلوح (بتصرف)
جريدة العرب القطرية 24-03-2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








