مختارات فارسية
عرض لعناصر من الثقافة الإيرانية
معلومات المدون:
الإسم : رشيد يلوح
البلد : قطر
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
صحفي-باحث في الحضارة الفارسية yalouh@gmail.com

:: حسين شهريار، رجل أفناه العشق والشعر

  ولد الشاعر محمد حسین بهجت التبریزي (1906م - 1988م) في تبريز شمال إيران، في بدايته الشعرية أخذ لقب (بهجت) وهومايسمى في الشعر الفارسي ب (التخلص)، لكن بعد لجوءه إلى استخارة حافظ اختار لقب (شهريار)، أنشد الشعر بالفارسية والتركية الأذرية، أستاذ نابغة جمع بين فنون شعرية متعددة، اختار في حياته الخاصة مسلك الزهد والتواضع، وأعطى لقلبه مساحة كبيرة من إبداعاته، فعبر عن كل همومه وآلامه وتجاربه، عاش مخضرما بين الثقافة التركية والفارسية، فأثر في الكثير من شعراء آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية وباكستان وأذربيجان وتركيا، اتخذت الحكومة الإيرانية يوم وفاته عيدا وطنيا للشعر.

 بدأ حسين شهريار دراسته الأولى في تبريز، ثم سافر إلى طهران حيث دار الفنون، التي درس بها مرحلة الثانوية، ليقصد بعد ذلك مدرسة الطب، ويدرس هناك الطب حتى آخر فصل، لكن حادثة رفض أسرة محبوبته تزويجها له بسبب فقره، أوقعته في أزمة نفسية أدخلته المستشفى، فتخلى عن شهادة الطب التي كاد ينالها، هذا المنعطف أثر بقوة في حياة شهريار وشكل في مابعد مفجرا لطاقاته الشعرية الإبداعية، تماما كما أثرت فيه وفاة والده ووالدته.

عمل موظفا في أحد البنوك بالعاصمة طهران، وبالموازاة مع عمله كان يمارس الإبداع، ولما ذاع صيته واشتهرت أعماله أعفته إدارة البنك من الحضور للعمل، ليتفرغ للشعر محتفظا براتبه كاملا، إلى أن اعتبرته جامعة تبريز رمزا وطنيا للشعر والأدب، وأعطته وسام أستاذ فخري بالجامعة.

   استقى الشاعر شهريار فيوضات الشعر من معين تجربته التي جمعت بين التصوف والزهد والحب والتفاعل مع قضايا العصر، لذلك كان وريثا أمينا لتجارب كبار الشعراء، بل كان شاعرا إنسانيا بكامل المعنى، عاش للشعر وعاش الشعر في كيانه، وكان ناسكا في خلوات القوافي، تصف ابنته الكبرى حاله بقولها: " لازلت أذكر حين كنت طفلة صغيرة، استيقظ في منتصف الليل، فألمح الضوء في غرفة والدي ثم أقصده، أجده ينشد الشعر بصوت خافت، وفي يده قلم يكتب به على ورقة أمامه، حقيقة لن أستطيع وصف وجهه وهو في ذلك المقام، لقد كان منقطعا بشكل كامل عن عالمنا، كان يترقى في خشوع ويطوي مسافات داخل عالم آخر، إلى درجة أنك إذا ناديته سينتفض وكأنك أيقظته من نوم عميق، كنت أفضل دائما أن أتركه في خشوعه وتبتله الشعري..". لقد كان شاعرا بالفطرة والحال، ترك تراثا شعريا لايزال الإيرانيون والأتراك يتداولونه في ما بينهم بتقدير كبير.

   علاقته بالشعر بدأت منذ كان في سنواته الأولى، يوم فاجـأ والده الذي كان رجلا مثقفا ومحاميا معروفا، بأبيات شعرية يرددها، فتوقع له الأب مستقبلا مبشرا. إلى أن نشر أول ديوان شعري له عام 1929م بتقديم الشاعر ملك الشعراء بهار. وتعتبر منظومته (حيدر بابا سلام) التي أنشدها عام  1954م من روائع الشعر الآذري التي يسميها الكثير من النقاد ب ( ذخيرة الأدب العالمي)، لما تميزت به من رقي في المضامين الإنسانية وصدق في التجربة وجمال في الشكل. أبدع شهريار في أكثر من أسلوب شعري تركي، وأنشد أشعارا فريدة في الغزل الفارسي والمثنويات والقصائد والرباعيات والشعر الحر، كما كانت له أشعار دينية ومعرفة جيدة بالفنون الموسيقية، نظرا لصداقته مع كبار موسيقيين المرحلة أمثال: إقبال آذر وصبا.

لم يكن شهريار قريبا من التيارات النقدية اليسارية التي هيمنت على الساحة النقدية في القرن الماضي، لذلك كانوا لا يعطون أعماله ما تستحقه من اهتمام، على عكس الشاعر سهراب سبهري الذي كانوا يدللونه بلقب (الولد البودي البورجوازي).  بينما اعتبره الباحثون من مؤسسي الشعر الفارسي المعاصر، واعترفوا له بأسلوبه الخاص الذي يعرف ب (أسلوب شهريار)، لما أبدع فيه من جديد، إضافة إلى أنه كان صديقا حميما للشاعر نيما يوشيج رائد الشعر الحر في إيران، إذ كانت بينهما حوارات وجلسات، لابد أن ما سمي في إيران بالشعر المعاصر كان مدينا لها بالفضل..

من أجمل شعره قصيدة (ويلاه أمي) التي يبكي فيها فراق والدته، ويرسم صورة حزينة ومؤلمة لمشاعر فقدان الأم، نكتفي منها بهذه الأبيات التي ترجمها فرزدق الأسدي، كما يلي:

كان المستقبل ، وكانت قصة فقداني أمي

وإذا بعويل مفاجئ يخترق صمت الموت

كنت أتراكض ما بين القبور نحو الخارج

كانت هناك

رافعة رأسها من الحفرة منتحبة

تجر بنفسها خلفي واهنة

ركضت نحو المحطة مجنوناً هارباً

دسست نفسي داخل الجماعة منكمشاً

انظر من خلف الزجاجة نظراتي الأخيرة خائفاً

رأيتها

تلك المتدثرة بالبياض بذاك الجد والجهد

تلك العينين المواربتين ،

لا تنفصل عني !

* * *

كنا نأتي وكنت حائراً

كأنما يذوّبون الزئبق في فؤادي

كانت مشاهد الأرض والزمان مختلطة

وكان الكل

يتهربون من بعضهم

صامتين خائفين

كانت السماء تدور كي تقرع رأسي

كانت الدنيا في عيني المذنبة سوداء

وصياح الريح

يأتي من شقوق ومنافذ السيارة

وكان نداء ضعيف يتراكض خلفي ، يوخز بالي ،

قد توحدت يا ولد !

 

 

  من الأشياء التي تحير الدارسين لتجربة شهريار، هي صعوبة تصنيفه، لكونه عاش في مرحلة تاريخية شديدة التقلب والتحول، مما أثر على مضامينه، فهو شاعر متعدد العناوين والمسارات: درويش مسالم أو شاعر ديني، أو شاعر ايراني قومي اوشاعر تركي قومي، شاعر البلاط الشاهنشاهي أو شاعر الثورة الإسلامية، مسارات متناقضة تنقل بينها الشاعر، ربما قدرته الخارقة على الإبداع والنفوذ إلى مواضيعه هي التي جعلته ينظر إلى مايريده بعين الشاعر الملهم الذي لايأبه لأحد، إلا أن الجميع يتفق على كون شهريار شاعرا إنسانيا أمضى عمره في تجارب روحية صعبة وأبدع من صميمه كل ما استطاع من جمال وصدق..يقول في إحدى غزلياته:

أنا في نار من وصل عشقك يا وردتي

ومن رأى حرقتي لن يكون عاشقا

بالعقل لن يتدفق ماء الحب في مجراه

مسكين أنا المصنوع من ماء ونار

وضعت رأسي ليلة أمس على وسادة الدلال والوصال

وكالعادة أصبحت دموعي تغسل بالدم وسادتي

لم تشك قط فراشة من ظلم شمعة

أمضيت عمرا في حبك محترقا لكنني سعيد

 قدم رائد الشعر الإيراني المعاصر نيما يوشيج شهادة في حق شهريار، وهي مقتطفة من إحدى رسائله إليه، قال فيها:

" شهريار العزيز، أرسلت لك القصيدة التي كتبتها باسمك سابقا..ولكن ولاواحدة من تلك القصائد لاتساوي شيئا في حضرتك، ولاينبغي أن تعتبر شيئا، حتما في يوم من الأيام، ستكون هناك شمس أيضا، الشمس الموجودة الآن والتي بدونها لالون لأي شئ، إنها القلب. أنت، أتريد القلب ..!"
   أنشد شهريار أجمل الشعر وأرقه، سكب في قلوب العشاق أروع قصائد الحب، وأمد أرواح العارفين بأسمى عبارات العشق الإلاهي، وطوى عمره في زهد وقناعة إلى أن رحل عن الدنيا، نال تقدير الناس واعتزازهم، ولم يبق منه إلا هذه الآهات المترددة بين دروب العشاق وفي دفاتر المحبين.

 رشيد يلوح
جريدة العرب القطرية
2/3/2008

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






نظر


أنت الزائر