انطلق الشعر العربي في خراسان على لسان الإيرانيين منذ القرن الأول الهجري، وهي ظاهرة ذات دلالة هامة على سرعة التفاعل وعمقه. ثم برزت التأثيرات الإيرانية بوضوح في شعر العصر العباسي والعصور التالي..وثمة ظاهرة هامة مشهودة في تاريخ الأدب العربي هي أن عمالقة الشعر العربي الذين زاروا ايران تأثروا بالبيئة الإيرانية فطورت شعرهم رغم عدم تفاعلهم مع الشعر الفارسي بسبب حاجز اللغة، اذكر على سبيل المثال منهم أبا تمام، فهو زار ايران في حدود سنة ۳۳۰ وتفاعل بجوها وأحداثها، وتغير شعره بعد هذه السنة تغيرا نوعيا، حتى إن ناقدا مثل نجيب محمد البهبيتي الذي يرفض تأثر الشعر العربي بالشعر الفارسي، يؤكد هذا التغيير في شعر أبي تمام فيقول: "رحلة أبي تمام إلى خراسان ختام طور من أطوار تاريخ شعر أبي تمام. وبدء طور جديد يتميز عن جميع عهوده الماضية. بعد رجعة أبي تمام من خراسان يبدأ دور انضج شعره وأكمله". ... واذكر أيضا على سبيل المثال المتنبي فقد زار ايران في عصر البويهيين، والتقى بابن العميد في ارجان وبعضد الدولة البويهي في شيراز وانشد أفضل أشعاره عندهما، وأشير هنا إلى ما قاله طه حسين عن التحول في شعر المتنبي خلال زيارته ايران، واختصره في النقاط التالية: ۱ - لم يعرف عهد من عهود الشاعر في حياته كلها نشط فيه شيطانه هذا النشاط، الا ان يكون في عهد ثورته في الشباب. ومع ذلك لم يحفظ لنا الديوان من شعر ذلك العهد ما حفظ لنا من شعر هذا الدور الاخير. ۲ - نشاط الشاعر لا يمتاز في هذه الاشهر الثلاثة «اشهر اقامته في شيراز» بالخصب وكثرة الانتاج فحسب، ولكنه يمتاز بالتنوع والاختلاف.. ۳ - لم يتقن المتنبي وصف الطبيعة في طور من اطوار حياته كما اتقنه في هذا الطور.. ۴ - ارجوزة المتنبي الطردية على غاية من الاهمية، فهي التي ارتقى فيه الشاعر الى ارفع ما اتيح له ان يبلغ من الاجادة الفنية الخالصة. ترى طبيعة الشاعر اخذت بحظ من الغزارة والخصب، والسهولة والجزالة، والاندفاع معا، كما ترى في هذه الارجوزة... ۵ - شعر الشاعر في شيراز بحرية شخصية كاملة فيما يريد ان يقول، فلا يتحرج ان يتغنى حمص وما حولها، ولا يتردد في ان يعلن حنينه الى دمشق، وغوطتها، ولا يرى غضاضة ان يذكر غربته في تلك الديار... ۶ - يتجاوز الشاعر حريته الشخصية الى حرية اخرى لغوية، كان قد تعودها في عصوره الاولى ولكنه يسرف فيها الآن، كأنه يريد ان يتخذها قاعدة، ففي داليته التي مطلعها: أزائر يا خيال أم عائد أم عند مولاك إنني رافد يخلص طه حسين إلى ما يلي: أولا - من المدهش حقا أن لا يكون النقاد قد التفتوا إلى ما يمتاز به شعر المتنبي في شيراز من سائر شعره، وان ينظروا إليه كما تعودوا أن ينظروا إلى الشعر العادي. ثانيا - إن المتنبي لو أطال الإقامة في فارس والاستمتاع بما كان يستمتع به من خفض وامن ونعيم لتغير مذهبه الشعري تغيراً قويا جدا، ولجاز أن يحدث في الشعر العربي فنا جديدا لم يسبق إليه.. يرى طه حسين أن سبب هذا التحول في شعر المتنبي بإيران يعود إلى «أن نفس الشاعر لم تمتلئ بالأمل في وقت من الأوقات كما امتلأت به في هذا الوقت. وما استبعد أن يكون الشاعر قد وثق بالفوز آخر الأمر واطمأن إلى انه بعد اتصاله بعضد الدولة قد أصبح شاعر الدولة الإسلامية غير مدافع، لا شاعر أمير في شمال الشام أو في مصر، بل شاعر السلطان الأعظم.ولا نرى ذلك لان الشاعر ما كان قد وطن نفسه على الإقامة في بلاط عضد الدولة، بل إن السبب الأساس في هذا التحول يعود - اكبر الظن - إلى التواصل الثقافي بين الشاعر العربي وإيران". ولقد وجدنا عطاء هذا التواصل من قبل لدى أبي تمام، ويتواصل العطاء عبر التاريخ، غير أن ظروف التجزئة السياسية في العهد العثماني والصفوي قد أضعفته ولم تقض عليه تماما. نجد في العصر الحديث نموذجا آخر من هذا التحول لدى شاعر عربي وآخر زار ايران هو الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي زار ايران ثلاث مرات، ولم يتأثر بالبيئة فحسب بل بسبب إجادته اللغة الفارسية تأثر بالأدب الفارسي أيضا، وهو يتحدث بنفسه عن هذا التأثر في مقال قصير نشر ضمن الجزء الأول من ديوانه في الطبعة العراقية، غير أن هذا المقال حذف لأسباب في الطبعات التالية، يقول: "لقد كان لوجودي في طهران عاصمة بلاد فارس مدة صيف سنة «۴۳»و«۴۵» الفضل الأدبي الذي لا ينسى.. فقد لطف أوضاع هذه المملكة الروحية، وأذواقها النفسانية من روحي وذوقي التلطيف المحسوس، واستطاعت بما أوتيت من صفاء جو، واعتدال مناخ، وعذوبة هواء، وجمال طبيعي التأثير في هذه الروح العراقية تأثيرا قربها من روح «حافظ» و«سعدي» و«الخيام» و«الفردوسي» و«النظامي» وبالأخير من روح«عارف» و«ايرج» وعرف أنهم لحد المشاركة في الذوق والفن والمشاطرة للعواطف والميول، وبدافع الإعجاب بهذا الفضل، والاعتراف بهذا التأثير أقول: إن «على العراق العجمي» و«على كرند» و«البادية في ايران» و«الطبيعة في فارس» في الأولى.. و«فارس الجميلة» و«شميران العروس» و«يوم في دربند» في الثانية هي اعز ما ضمنته مذكرتي الشعرية، وأنفس ما عرفته صفحاتها.. ففي هذه المقاطع، وقليل من غيرها، استطعت أن اعرف ما هو الشعر الطبيعي، وكيف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفكرة، ويدب المعنى، ويختلق النفس. ولما كنت مدة بقائي هذين الصيفين هناك مضطرا إلى التحدث عن الأدب العراقي مع شذوذ مع أدباء الفرس بصفتي احد المتطفلين عليه، وطبعا كان يجر ذلك إلى التحدث عن الأدب الفارسي والمقابلة بينه وبين تريبه ونسيبه الأدب العربي، فقد عدت وأنا معتقد، بالدليل والبرهان، أن أبواب الشعر الخالد من وحي والهام وقريحة ثرة هي مفتوحة في وجه الشعر الفارسي أكثر منها في وجه الشعر العربي، ومعتقد أيضا بوجوب انصراف الغيورين على الآداب العربية، والمتطلبين التوسع والتجدد فيها، والساعين لإنهاضها من كمونها، وإنعاشها من انقباضها إلى تقريب هذه الروح الشرقية، روح «طهران» من الروح العربية عوضا عن جلب ما لا يتناسب وإياه من روح «لندن» و«باريس» و«موسكو» و«روما» وجذبة بالحبال، خصوصا أن القرب بين قواميس اللغتين، واندماج بعضهما في بعض، ووجود العارفين بهما من كلا الطرفين أكثر من أي لسان آخر.. وتجانس الأمتين في كثير من الأخلاق والعادات، كل ذلك وغيره مما يشجع هذه الفكرة ويرغب فيها". .. يقول طه حسين في مقدمة «أغاني شيراز» وهي باقة من اشعار حافظ الشيرازي ترجمها إبراهيم أمين الشواربي شعرا ونثرا إلى العربية: "وهذه طرفة أخرى نفيسة رائعة، يسعدني أن أطرف بها قراء العربية لأنها ستمتعهم من جهة، ولأنها ستزيد ثروة الأدب العربي من جهة أخرى، ولأنها بعد ذلك ستثير في نفوس الكثيرين منهم ألوانا من التفكير المنتج، وفنونا من الشعور الخصب، ولعلها أن تفتح لبعض الشباب أبوابا في الحس والشعور والتفكير لم تفتح لهم من قبل". ويقول سيد قطب معلقا على هذه الأغاني:"أن هذه الأغاني تجئ في وقتها المناسب - والشعر العربي يعاني أزمة يحتاج فيها إلى مثل هذا الزاد - فلقد آن للشعر أن يكون غناءا بحثا، بعدما طوح بنفسه في مجالات لم تعد له، أو لم يعد يبدو فيها بأجمل ألوان، طوح بنفسه في مجال الفلسفة، وفي لجج الفكر، كما اخذ يطوح بنفسه في مجال القصة والمسرحية وما إليها، بعد أن عادت روح العصر لا تهش للقصة، ولا للمسرحية الشعرية". ويقول: "ثم إن لها عندي مزية أخرى :فقارئ هذه الأغاني يستروح فيها عطر الشرق البعيد، وبساطته ومرحه، وغيبته وتصوفه، ونحن اليوم أحوج ما تكون إلى استرواح هذا كله، حين تغمرنا موجة العقلية الغربية، وهي موجة قوية طاغية، لا تجد لها حاضرنا الروحي مثيلا، وفي أغاني حافظ، كما في رباعيات الخيام الفارسي، وكذلك في اشعار طاغور الهندي - على بعد ما بينهم في الإحساس والاتجاه - ذلك الروح الشرقي العميق، الذي يستطيع اليوم إن يسعفنا، ويحفظ تراثنا الشعوري في وجه التيار.وهذا هو ما اعنيه باسترواح الشرق البعيد: فليس نموذجا واحدا ما أريد، ولكنها نماذج شتى، تجمعها سمات أصيلة، تعبر عن الموروث والمذخور في نفس الشرق من رصيد". د . محمد علي آذرشب (بتصرف)
الاربعاء, 25 يونيو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








